الأمان في بيئات العمل
الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.
مركزية الأمان في الحياة
وقف الشاعر العربي أبو تمام قبل أكثر من ألف ومائتي سنة، ليحدد مواصفات سكنه، وَأَنَّ أهمها؛ الطمأنينة والأمن، وهي شعور يُبنى في القلوب والعلاقات؛ بحسن العشرة التي يتبادلها الجيران كل يوم، (الصعيدي، 2005)؛ لذا قال:
مَن مُبلِغُ أَفناءَ يَعرُبَ كُلَّها
إِنّي بَنَيتُ الجارَ قَبلَ المَنزِلِ
فالأمان عنده يبدأ من البشر قبل الحجر، فالجدران قد تحمي الجسد، لكن الجار القريب يحمي الروح، من قلق العزلة ووحشة التوجس، علاقة يسكنها الود والاحترام والاطمئنان، ولا قيمة لسقفٍ مرتفع إن كان المحيط ضيق الصدر، وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من جار السوء في دار المقامة (النسائي، حديث رقم 5502).
كما أَنَّ أعرابيًّا حدد ذات يوم الأولوية القصوى لديه من الأمان، عندما كان يرتجف من البرد، وجاء من يستضيفه، ويطلب منه اقتراح ما يطبخ له، فكان رده:
قالوا اِقتَرِح شَيئاً نُجِد لَكَ طَبخَهُ
قُلتُ اِطبِخوا لي جُبَّةً وَقَميصا
لقد استخدم المشاكلة "طبخ الجبة والقميص" مقابل عرضهم الذي لا يشكل له أولوية "طباخة الطعام حينها" (الهاشمي. د. ت). فالمرتجف بردًا لا يسخر من ضيافتهم؛ بقدر ما يكشف حقيقة بسيطة: حين تشتد الحاجة، تتساقط الكماليات، ولا يبقى إلا ما يحفظ الإنسان من الانكسار.
وهذا بالضبط ما يحدث في بيئات العمل؛ فالموظف لا يبدع إلا بعد أن ينال حظه من الشعور بالأمان، ولا يقدّم أفضل ما لديه حين ينشغل بحماية نفسه، أو بحساب كلماته وكيف يمكن أن تفهم، أو بتوقع سوء التأويل، الإنسان في العمل يشبه ذلك المرتجف الذي يحتاج جبة قبل الوليمة، وطمأنينة قبل التميز، وعلاقات عمل إيجابية قبل بيئة عمل مادية.
ضرورة الأمان في بيئة العمل
فكم فكرةٍ لامعة انتظرت مساحة أمان؛ لتولد؟ وكم قرارٍ حاسم تغيّر مساره؛ لأنَّ صوتًا صادقًا تجرأ على الظهور في الوقت المناسب؟ كثير من جوانب التفوق المؤسسي تبدأ غالبًا من لحظة يشعر فيها الإنسان أَنَّ صوته ذو قيمة.
ومما لا شك فيه أَنَّ داخل كل مؤسسة قصة تاهت بين الأرقام والمؤشرات، كان يمكن لها أن تضاعف جوانب القوة، أو تسهم في الحد من التراجع، لكنها لم تجد مساحة أمان لتخرج من حلق صاحبها.
في الاجتماعات والتفاصيل اليومية داخل بيئة العمل، يتشكل مناخٌ يحدد ما إذا كانت العقول ستعمل بكامل طاقتها، أم ستكتفي بالحد الأدنى من الحضور؛ براءة للذمة.
إنَّ متطلبات عالم الأعمال اليوم، وسّع فهمنا للعلاقة بين الأداء وصحة الإنسان، وَأَنَّ بيئة العمل تُقاس بقدرتها على حماية التوازن النفسي، كما تُقاس بمؤشرات الإنتاج، فهي مساحة تتكوّن فيها الهوية المهنية، وتتشكل فيها الثقة بالذات، ودافعية العطاء؛ لذلك تنعكس جودة المناخ مباشرة على الإبداع وجودة القرار والانتماء المؤسسي.
هذا الإدراك دفع المؤسسات الواعية إلى التعامل مع الصحة النفسية على أَنَّهَا استثمار في رأس المال البشري، لا كونها ملفًا جانبيًّا. ومع تصاعد الضغوط وتعقّد بيئات العمل، برزت الحاجة إلى أطر منهجية تبني بيئات داعمة نفسيًّا، وتعزز الاستقرار المهني (هيئة الصحة العامة، 2022).
في هذا السياق يتبلور الأمان بوصفه مناخًا يرسّخ قناعة مشتركة بِأَنَّ الصراحة الفكرية، وطرح الأسئلة، ومناقشة الأخطاء، أفعال تسهم في تقدّم الفريق ولا تُضعفه، وعندما يسود هذا المناخ، تتدفق المعرفة، وتكبر الثقة، ويتحوّل الحوار إلى محرك تعلم مستمر.
الفِرق التي تعيش هذا المستوى من الأمان تتعلّم أسرع، وتقرّر أفضل، وتبتكر أكثر.
لماذا يغيّر الأمان قواعد اللعبة؟
الأبحاث التنظيمية تضع الأمان ضمن أقوى محددات الأداء الجماعي، ففرق العمل التي تعمل في مناخ آمن نفسيًّا تتعامل مع المعلومات الحساسة بقدر عالٍ من الشفافية، وتكتشف المخاطر مبكرًا، وتتعلّم من التجربة بسرعة. الخطأ يتحول إلى معرفة، والمعرفة تتحول إلى تحسين، والتحسين يتحول إلى تفوق، والفرق الآمنة نفسيًّا تناقش الإخفاقات بموضوعية، وتحوّل التجربة إلى مورد معرفي، وتطوّر أداءها بشكل تراكمي مستمر. (لاندري -2021).
رحلة الموظف من الانتماء إلى التأثير
الأمان ينمو عبر مراحل نضج متتابعة، منها:
أولًا- أمان الاحتواء:
حيث يبدأ الأمان بشعور الفرد بالقبول والانتماء داخل بيئة العمل من قبل القيادة والزملاء، عندها يدرك أَنَّ حضوره ذو قيمة، وَأَنَّ هويته المهنية محترمة، هذا الإحساس يؤسس الولاء والارتباط العاطفي بالمؤسسة (بوشلاغم، 2018).
ثانيًا- أمان التعلم:
ينتقل الفريق إلى مرحلة الفضول المعرفي؛ حيث تطرح الأسئلة، وتطلب المساعدة، وتناقش الفجوات المعرفية بروح تطويرية، هنا تتشكل ثقافة التعلم الحقيقي (عمر، 2014).
ثالثًا- أمان المساهمة:
يقدم الأفراد أفكارهم ومبادراتهم بثقة، فيتشاركون الخبرات، ويقترحون الحلول، وتظهر الطاقة الإبداعية، وتستفيد المؤسسة من رأس المال الفكري الكامل لأفرادها (العتال، 2020).
رابعًا- أمان التحدي:
تبلغ الثقافة المؤسسية ذروة نضجها، فيمارس النقد البنّاء بوعي، وتراجع المسلمات المهنية، وتفحص القرارات، ويمارس التفكير النقدي بوصفه جهاز مناعة تنظيمي يحمي المؤسسة من الجمود. (هابر، 2020/2022).
الأمان ميزة تنافسية
المؤسسات الرائدة تتعامل مع الأمان بوصفه أصلًا استراتيجيًّا، يظهر تأثيره في:
- جودة القرارات الاستراتيجية.
- سرعة التعلم المؤسسي.
- الابتكار المستدام.
- الاحتفاظ بالكفاءات.
- ارتفاع الصحة التنظيمية.
القيادة الواعية تصنع هذا المناخ عبر التواضع المعرفي، وتشجيع التغذية الراجعة، ومكافأة المبادرة، وتصميم حوارات تمنح الجميع صوتًا فعليًّا.
الخاتمة
الأمان يصنع بيئات تُزهر فيها العقول، وتُقال فيها الأفكار قبل أن تضيع، وتُدار فيها الاختلافات بوصفها مصدر قوة، يرسِّخه قرار قيادي يرفع جودة الإنسان، وجودة الإنجاز معًا.
والشكر لكل قيادةٍ تدرك أَنَّ بناء الإنسان من الداخل هو الطريق الأوثق لبناء مؤسسةٍ تبقى وتؤثّر.
مراجع مختارة
بوشلاغم، زينب. (2018). التفاعل الاجتماعي في الجماعات الافتراضية دور الحضور الاجتماعي [أطروحة دكتوراه غير منشورة]. جامعة الجزائر 3.
الصعيدي، عبد المتعال. (2005). بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح في علوم البلاغة(ط17). مكتبة الآداب. (العمل الأصلي نُشر في تاريخ سابق، 1391ه،).
العتال، حنين فوزي سعد. (2020). دور رأس المال الفكري في تحقيق البراعة التنظيمية في المنظمات الصحية دراسة حالة: جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني [رسالة ماجستير غير منشورة]. جامعة القدس، فلسطين.
عمر، حجاج. (2014). الأمن النفسي وعلاقته بالدافعية للتعلم: دراسة ميدانية بثانويات مدينة بريان. مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، (16)، 1-20. ص، ص: (١٩١ -٢١٠).
النسائي، أحمد بن شعيب. (2001). السنن الصغرى (المجتبى) (عبد الفتاح أبو غدة، محقق؛ ط2). مكتب المطبوعات الإسلامية. (العمل الأصلي نُشر عام 303 هـ).
هابر، جوناثان. (2022). التفكير النقدي (مؤسسة هنداوي، مترجم). مؤسسة هنداوي. (العمل الأصلي نُشر عام 2020).
الهاشمي، أحمد بن إبراهيم. (د.ت.). جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع (يوسف الصميلي، محقق). المكتبة العصرية. (العمل الأصلي نُشر في تاريخ سابق، ت. 1362 هـ).
هيئة الصحة العامة. (2022). الدليل الإرشادي للصحة النفسية في بيئات العمل (النسخة الأولى). هيئة الصحة العامة.
Clark, T. R. (2020). The 4 Stages of Psychological Safety. Berrett-Koehler.
Edmondson, A. (1999). Psychological safety and learning behavior in work teams. Administrative Science Quarterly.
Edmondson, A. (2018). The Fearless Organization. Wiley.
Frazier et al. (2017). Psychological safety: A meta-analytic review. Personnel Psychology.
Landry, S. (2021, July 1). Psychological safety in the workplace: Why it’s important. HBS Online. [https://online.hbs.edu/blog/post/psychological-safety-in-the-workplace](https://online.hbs.edu/blog/post/psychological-safety-in-the-workplace)
Newman et al. (2017). Psychological safety: A systematic review. Human Resource Management Review.
تم التحديث في: ١١ فبراير ٢٠٢٦