أيهما أولى بالاهتمام مصلحة المستفيد أم رضاه؟
يقوم جوهر العمل الاستشاري على تقديم الحقيقة المبنية على الأدلة، لا ما يرغب المستفيد في سماعه، فمصلحته مقدَّمة على رضاه، وهذا يقتضي حيادًا صارمًا، وقراءة موضوعية للبيانات، وتحررًا من الميل الشخصي، والتحيزات المعرفية، كما تجسّد في نموذج يوسف عليه السلام الذي قدّم خارطة طريق واقعية قاسية لكنها منقِذة، ومن ثم فَإِنَّ الأمانة المهنية تتطلب من المستشار أن يوازن بين التعاطف مع المستفيد، والالتزام بالحقائق التي تحفظ استدامة قراراته ونجاحه المستقبلي.
أيهما أولى بالاهتمام مصلحة المستفيد أم رضاه؟
قد يبدو التساؤل مثالي للغاية، ولكن الواقع في سوق الخدمات الاستشارية وحلول التدريب يظهر أن هذا التساؤل هذا يجب أن يمنح حقه من النقاش.
الإشكالية
هل يمكن الجمع بين الحرص على رضا المستفيد، وبين أن يكون المستشار حياديًّا وموضوعيًّا في تحليل المشكلات، واقتراح الحلول المناسبة، وبناء خارطة طريق يمكن من خلالها الوصول إلى قمم نجاح متتالية؟ ماذا لو كان المستفيد غارقًا في حالة عدم اليقين، والأمور أمامه ضبابية، ولكنه يصر على رأيه؟ ما الذي سيكون متاحًا أمام المستشار أن يقوله؟! (Moore, 2021)
وكيف يمكن التأكد من خلو المستشار - الشخصي أو المؤسسي - من الميل في توجيه المستفيد نحو حلول معينة، بناء على خبراتهم السابقة، أو المصالح الشخصية، ومن ثم إسماع المستفيد ما يدعم وجهة نظرته الرغبوية، بدلًا من قول الحقيقة المستندة إلى الأدلة والبراهين، والتشخيص الدقيق؟ وكيف يمكن التأكد من أَنَّ أدوات تحليل الوضع الراهن، كافية للحد من أي تحيزات، قد تؤثر في النتائج، ومن ثم تؤثر في الحلول المتخذة.
المستشار مؤتمن
تُعَدُّ قراءة الأحداث التاريخية التي تناقلتها الأجيال، بمثابة الذاكرة الحية للأمم؛ وضرورة لفهم الذات والآخر، واستشراف المستقبل، وتجنب تكرار الأخطاء فالتاريخ بما يحمله من تجارب وقيم وأحداث، يظل أحد معلمي الإنسان، وأسفار ينبغي أن تبذل الأوقات فيها دراسة وتحليلًا (Stearns, 1998 . 2).
وقد جاء في القرآن الكريم ذكر لأحداث وقعت في الأمم السابقة، ويمتاز القصص القرآني بمميزات ليست لغيره من الكتب السماوية ناهيك عن المؤلفات البشرية، فقصصه هي الإخبار الدقيق الذي لا وجود لأدنى ريب فيه، وفيها مواطن الاعتبار والاتعاظ، بما يُقوّم المسار، ويُرشدُ إلى أقوم الأعمال والتصورات.
هذه المقدمة نحاول أن نمهد بها إلى إشكالية قائمة في سوق العمل الاستشاري والتدريبي.
وعودًا على بدء، لعل في قصة يوسف عليه السلام مع ملك مصر واحدة من أعمق هذه اللحظات، وإحدى جوانب الاستفادة منها مرتكزة على فهم كيفية تأسيس نموذج استشاري عميق، يُعلي من الحرص على مصلحة المستفيدة، وتقديمها على طلب رضاه، بالخبرة القائمة على المعرفة وطول الممارسة، ومعيار صارم يفرز الغث من السمين في عالم الاستشارات والتدريب، من خلال التأمل في أحداث القصة، على النحو الآتي:
أولًا- الرؤيا والبيانات:
بدأ الاحتياج من قلق السلطة "ممثلة بملك مصر"، الذي داهمته رؤيا أزعجته (سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ) سورة يوسف الآية (٤٣)، إنه أمام مجموعة من البيانات شديدة الدقة، الرقم "سبعة" المتكرر في السمن والهزال، وفي الخضرة واليبوسة، ورؤيا بهذا الوصف لم تكن طيفًا زار في منام، وستذهب مع لحظات الصحو، ولا انطباعًا نفسيًا يمكن تجاوزه؛ فقد جاءت في صورة مكتملة، دقّة الأعداد، وغرابة المشهد، وإلحاح الرموز، كلها جعلت الملك يقف أمام شيء أكبر من مجرد أحلام، كأن هناك نذرٌ ما، ورسالة تقترب تلمح إلى قدوم كارثة، لكنها تتجلّى في صورة رؤيا تحتاج من يُحسن تفكيكها.
وقد تكون في واقع اليوم ما يمكن تسميته بالبيانات الكمية والنوعية، الذي يحيلنا إلى نمط إحصائي لا يقبل العشوائية، والمؤشرات الحيوية التي تصرخ بوجود خلل قادم، وَأَنَّ المستقبل لا يسير وفق الرغبات، والأماني العراض.
ثانيًا- عجز "الملأ":
بادر الملك إلى عرض الرؤيا وما فيها من تفاصيل على الطبقات العلمية في ذلك الوقت، واعتادوا أن يكونوا محل الثقة: السحرة، والكهنة، والقافة المعبرين، والأشراف الأعيان والعلماء والحكماء، ويعني هذا أَنَّهُم كانوا صفوة رجال العلم والمعرفة آنذاك، كما كانوا ملمين بالعلوم الكيميائية والهندسية ... أي أَنَّهُم كانوا كبار المستشارين الذين يمثلون مختلف مجالات الحياة (الحليبي، 1993، ص 198)، ووجدوا أنفسهم حينها في مأزق، واصطدم طلب الملك بتعبير رؤياه بالإفلاس المعرفي، وكان جوابهم: "هذه أحلام مختلطة، خواطر وأخيلة يتصورها الدماغ في النوم، فلا تومئ إلى معنى معيّن مقصود، وما نحن بأولي علم بتأويل مثل هذه الأحلام المضطربة، بل نحن نعلم غيرها من الأحلام المفهومة المعقولة".
وهذا الرد يمثل آفة في العمل الاستشاري، لا يمكن وصفها إِلَّا بِأنَّهَا "تسطيح المشكلة" عندما تعجز الأدوات عن فهمها، فهم لم يملكوا الأداة التحليلية - التأويلية - للربط بين الرموز وبين الواقع الاقتصادي والزراعي، فلجأوا إلى حيلة نفسية، متمثلة في إنكار جدية البيانات، ووصمها بالتشويش (أضغاث)، وهم في ذلك يبحثون عن حل يُرضي الملك آنيًّا ويُهدئ روعه، لا حلًا يُعالج الكارثة القادمة، لكن الأزمة لا تنتظر المجاملين، فالبلاد مقبلة على تحوّل كبير، والملك بحاجة إلى من يخبره بما يصلح مملكته، ويضمن استقرارها ورخاءها، لا التخلص من عبء التفكير في الحلول المفيدة.
ثالثًا- قيم المستشار:
حلول بعض المشكلات المعقدة، قد تأتي ممن عايش تجربة مشابهة، أو من الأطراف، لا من المركز، ومن رحم التجربة والمعاناة وليس من المكاتب الفاخرة، ففي القصة تدخل الساقي عندما شاهد الحيرة المتراكمة في القصر، ليدلهم على الخبير الصادق، وانهارت الألقاب الرسمية أمام الكفاءة الحقيقية.
وعندما ذهب الساقي إلى يوسف عليه السلام، ناداه بلقب واحد: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ). لم يقل "أيها الخبير" أو "أيها الاقتصادي"، ذهب بعيدًا عن ضجيج المصطلحات البراقة، وركّز على القيمة الأخلاقية الجوهرية: الصدق التي تعني مطابقة القول للعمل، والقدرة على تحمل مسؤولية الرأي، والتجرد من الهوى الشخصي (الشعراوي، 1991، ص 6972)، والمستشار مؤتمن، ومن كان مؤتمنًا في تحليله وقراءته للواقع هو المؤتمن على الإشراف والتنفيذ والقادر على المتابعة.
رابعًا- التأويل العميق (من حل المشكلة إلى استمرارية الأعمال ثم الاستدامة):
تجاوز سيدنا يوسف عليه السلام فك شفرة الرؤيا (السنين)، إلى تقديم "خارطة طريق" تنفيذية، سبع سنين خصب تحتاج إلى جهد كبير في الزراعة، وعدم الالتفات إلى تواليها، والاطمئنان إلى ذلك، ولكم غرَّت النجاحات الحالية، والتدفقات المرئية الكثير من الخطر الذي يتسلل رويدًا رويدًا، وأرشدهم إلى عدم الإسراف في الأكل، ووجوب العمل بدأب، وإدارة المحصول برشد.
وفي سنوات الجدب القاحل، تحتاج الجموع الجائعة إلى صبر وقدرة على التحمل، وتوزيع المخزون وفق الاحتياج لمدة سبع سنوات، وإدارة الندرة في غاية الإحكام، ثم مراعاة السنة الخامسة عشرة- مرحلة ما بعد الجدب -؛ حيث قد تدفع الحاجةُ الناسَ إلى أكل كل شيء، وبعد أن ينزل الغيث لا يجدون شيئًا يبذرونه، وهنا تأتي التوصية لحماية ما بعد الأزمة، إِنَّهَا أول فكرة في التاريخ تشبه، بنك البذور، وأول تطبيق عملي لمفهوم؛ استدامة الحلول (نوفل، 1989، ص ص 412–415).
خامسًا- صناعة الاستشارة والتدريب:
إِنَّ استنطاق هذه القصة يضعنا أمام مصفوفة معيارية حاكمة للعمل الاستشاري والتدريبي المعاصر، يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
(١) حلول استشارية تلبية للاحتياج:
فالبرامج التدريبية والاستشارات التي تأتي في سياق "الموضة الإدارية" أو استنساخ تجارب غربية لا علاقة لها بالسياق المحلي، تضر أكثر مما تنفع، فالعمل الاستشاري الرصين يجب أن ينطلق إما من توسّع الخدمات والمنتجات (استثمار السبع السمان) أَوْ معالجة جوانب قصور، وتجاوز أزمات (إدارة السبع العجاف)، وأي جهد لا يصب في هذين المسارين هو هدر للموارد.
ومن المهم التخلي عن التحيزات أيًّا كانت في تحديد الاحتياج، وتقليل تأثيرها إلى الحد الأدنى، من خلال الالتزام بالمعايير الأخلاقية في أثناء تطبيق منهجيات تحليل المشكلات القائمة على الأدلة، والاعتماد على معايير قياسية، وتقديم سيناريوهات عدة لحل مشكلة واحدة، ليكون لدى المستفيد المجال الواسع في اختيار الأنسب، والاستفادة من وجهات نظر المستفيد النهائي، فهو المتأثر الفعلي من الخدمات أو المنتجات التي تقدم للجهات المعنية به. (معهد المدققين الداخليين، 2024، ص 18).
(٢) موثوقية البيانات:
يوسف عليه السلام لم يتجاهل في الرؤيا أي تفصيل، والحلول الاستشارية يجب ألا تُبنى على الانطباعات أو الحدس المجرد، بل على قراءة صارمة للمؤشرات والبيانات النوعية والكمية، واحترام النتائج، والقدرة على قراءة "ما بين السطور" في واقع المنظمة.
إِذْ إِنَّ التعمق في تأويل يوسف عليه السلام للرؤيا، وتقديمه الحل الأشمل للأزمة القادمة، واستعداده لإدارة المرحلة كاملة، سيلاحظ أَنَّهُ نظر في كيفية التعامل مع عدد السكان على مدار أربعة عشر سنة، والاعتماد على طرق زراعية أكثر فاعلية من الواقع السابق؛ كي يتسنى إنتاج يغطي سنوات الجدب القادمة، وتجهيز مخازن للغلات الزراعية على مدار سنوات الإنتاج السبعة الأولى، وعمل موازنة بين الإنتاج والاستهلاك والتخزين للسنوات الخمس عشرة، والتركيز على القوى البشرية وخبرتها في الزراعة وفي الثروات الأخرى المساعدة، والاستفادة من الثروات الطبيعية المساعدة في عمل الزراعة، والعمل بقوانين وأنظمة في سنوات الجذب والمحافظة على المخزون الاستراتيجي (قرموط، 2009، ص 209).
(٣) مصلحة المستفيد فوق "رضاه":
وهذا هو التحدي الكبير، والمعضلة الأخلاقية الكبرى: هل دور المستشار أن يقول للعميل ما يريد سماعه، أم ما يجب عليه فعله؟ لقد اختار الملأ طريقًا سهلًا في حلولهم للمشكلة "طمأنة الملك، أما يوسف عليه السلام فواجهه بالحقيقة المرعبة، "هناك مجاعة قادمة ستأكل كل شيء"، وهذا نموذج استشاري يقدم مصلحة العميل على رغباته إن كانت هذه الرغبات والتطلعات غير مفيدة في الواقع، وهذه هي أعلى درجات الأمانة، حتى لو كانت صادمة، والحلول يجب أن تكون جراحية، تستهدف استئصال الورم، ولا تقتصر على طمأنة المريض فقط.
(٤) المبادرات والتوصيات يجب أن تأتي ضمن مصفوفة متكاملة:
الكثير من التقارير الاستشارية تختم بتوصيات تبدأ بفعل "يوصي" و" توصي" وتنتهي في الإدراج، بعد استصعاب تحقيقها في الواقع، لكن يوسف عليه السلام لم يقدّم حلًا مفردًا، بل مصفوفة كاملة، إدارة الإنتاج، وإدارة المخزون، وإدارة التوزيع، وإدارة الاستدامة، وإدارة ما بعد الأزمة، المصفوفة التكاملية التي تقوم عليها أفضل التقارير الاستشارية اليوم.
الخلاصة:
مما لا شَكَّ فيه أَنَّ المصداقية، قيمة جوهرية في تقديم الخدمات الاستشارية والتدريبية، فهي أحد العوامل الحيوية في بناء الثقة، وتعزيز السمعة المهنية، وارتياحًا في ضمير فريق العمل؛ لِأَنَّ نتائجها قابلة للقياس، وَإِنَّنا اليوم بحاجة إلى إعادة تعريف "الخبير" وفق هذا المنظور، والخبير ليس من يحفظ المصطلحات، بل من يمتلك البصيرة لتأويل الواقع، والشجاعة لقول الحقيقة، والحكمة لبناء "خزائن" تحفظ للمجتمعات والمنظمات بذور نموها المستقبلي حين تجف السنابل.
المراجع:
الحليبي، ن. (1993). المنهج الاقتصادي في التخطيط لنبي الله يوسف عليه السلام (الطبعة 3).
الشعراوي، م. م. (1991). تفسير الشعراوي (الجزء 11). مطابع أخبار اليوم.
قرموط، ن. (2009). الإدارة في سورة يوسف عليه السلام: دراسة موضوعية. [رسالة ماجستير منشورة في الشبكة].
معهد المدققين الداخليين. (2024). المعايير الدولية للممارسة المهنية للتدقيق الداخلي، معهد المدققين الداخليين.
Moore, K. (2021, May 7). Top 5 business challenges for management consulting firms. Hinge Marketing. [https://hingemarketing.com/blog/story/top-5-business-challenges-for-management-consulting-firms](https://hingemarketing.com/blog/story/top-5-business-challenges-for-management-consulting-firms?utm_source=chatgpt.com)
Stearns, P. N. (1998). Why study history? Historical Association.[https://www.history.org.uk/files/download/24223/1619698212/2.1.1_Why_study_history_Peter_N_Stearns_1998.pdf](https://www.history.org.uk/files/download/24223/1619698212/2.1.1_Why_study_history_Peter_N_Stearns_1998.pdf)
الوسوم والمواضيع:
تم التحديث في: ٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥