المخارج الواهية

د. أحمد المليكي
١٧ نوفمبر ٢٠٢٥
5 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

حينما يَسُوق الإنسان نفسه إلى الهلاك

المخارج الواهية

كان الظلام ينحسر ببطء، فاسحًا المجال لأضواء صباح جديد أن تتسلل عبر نوافذ جامع الأجمة، يستند عمي سهل إلى جدار المحراب، وبينما يتسرب إلى الداخل حفيف أشجار العتم، كانت أصابعه الواهنة تدفع حبات المسبحة، ووجهه المشع بآثار القيام، يضفي سكينة.

انفتح باب الجامع بصريرٍ مُطول، دخل اليمان يمشي بخطوات ثقيلةٌ، كأنما يُجرّ سلاسلَ غير مرئية، ملابسه فضفاضة، ولم يشدها على خصره بشيء، لذا هي تُلامس الأرض، وشَعره الأشعث يُحاكي حالةً من الذعر الذي يداهمه بين فترة وأخرى، كما يقول مبررًا كل مرة.

اقترب من عمي سهل، وجلسَ إلى جانبه دون التفاتٍ، بذل جهده ألا تلتقي الأعين، خمنته مثقلًا بأسئلة معلقة في حلقومه، فهي تمنعه من الحديث، وجاءه السؤال: ""ما بك؟".

وشعرت بتجمد كل شيء كان يتحرك، حتى أنا حبست أنفاسي، لأسمع الرد.

ارتجف اليمان، وظهر لي أنه ربما نسي حروف الهجاء، فهو لا يكاد يبين.

ثم قال بصوت راجف: "أخبرتك أني أريد أن أكون مثلهم؟".

توقف عن الحديث بعد أن خنقته غصة.

وطال الصمت، واحتضن رأسه بيديه كأنه يحاول تهدئة الهواجس المتلاطمة فيه.

وأنا أحاول أن أعود للقراءة، وعجزت، وشعر عمي بحالي، فتنحنح وأشار بأن أفتح النافذة الشرقية، فتسلل ضوء الشمس إلى جبين اليمان، الذي ما زال يحتضن رأسه بيديه.

- "وأخبرتك أنك تخدع نفسك". أخيرًا نطق عمي سهل بالجواب.

رفع اليمان وجهَهُ المُكدَّر، معترفًا بأن لديه طبقاتٍ من الأعذار.

وقف عمي سهل وهز عود عتم، فسقطت آخر ورقة يابسة فيه، سحقها بيده الواهنة، ونفخها في الهواء وقال: "كم من غصن ميتٍ ما زلت به متشبثًا!!". (مقتطف من ينابيع الوادي – أمطار نيسان ٢)

التسويغ للنفس، والبحث عن معاذير أمر في غاية السهولة، لكن النتائج كارثية، تحجب القلب عن رؤية الحق، يبدأ الواحد في تسويف التوبة، والمماطلة في التحلل من الظلم، وتتدفق بين يديه حيل بادرة، فينفخ فيها الشيطان، حتى تتحول إلى سلوك يومي.

وبين التسويغ الذي هو تحسين السيئات كي تبدو مقبولة في القلب في الواقع، وبين التبرير في مواصلة إقناع النفس عند كل موعظة، وكل نصيحة، بأنه ليس في الإمكان أفضل مما كان، وهذا حال الزمان.

"ولا أخطر من عذر على اللسان يكون غطاءً لقبح في القلب"

أدرك كعب بن مالك رضي الله عنه خطر ما وقع فيه من التخلف في غزوة تبوك، ولما جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قبل ذلك، يشاهد قرابة ثمانين رجلًا، كلهم قدم أعذراه، وقبلها النبي صلى الله عليه وسلم كلها، ربما عقوبة لهم، لم يواصل السير في هذا الطريق المعوج، بل قال كلمته الشهيرة: "يا رسول الله! إني لو جلستُ إلى غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطته بعذر، والله ما كان لي عذر)، وهذه هو الفرق بين الصادق مع نفسه، ومن يسوغ أخطاءه.

ثمة فرصة للبحث عن الأغصان الميتة التي نتشب بها.

تم التحديث في: ١٨ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة
أفكار

الشخصية الملهمة

ربما لا مبالغة في القول إن لكل شخص شخصيته الخاصة التي يُلهم أو يعدي بها غيره، والإلهام يكون إلى معالي الأمور، وبناء القدرات، والتشجيع، والعدوى إلى سفاسفها إن أسعفنا التعبير في ذلك.

٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥
قراءة
ثقافة مؤسسية

أيهما أولى بالاهتمام مصلحة المستفيد أم رضاه؟

يقوم جوهر العمل الاستشاري على تقديم الحقيقة المبنية على الأدلة، لا ما يرغب المستفيد في سماعه، فمصلحته مقدَّمة على رضاه، وهذا يقتضي حيادًا صارمًا، وقراءة موضوعية للبيانات، وتحررًا من الميل الشخصي، والتحيزات المعرفية، كما تجسّد في نموذج يوسف عليه السلام الذي قدّم خارطة طريق واقعية قاسية لكنها منقِذة، ومن ثم فَإِنَّ الأمانة المهنية تتطلب من المستشار أن يوازن بين التعاطف مع المستفيد، والالتزام بالحقائق التي تحفظ استدامة قراراته ونجاحه المستقبلي.

٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥
قراءة