هبة الشعور بالألم

د. أحمد المليكي
١٩ نوفمبر ٢٠٢٥
7 مشاهدة
5 دقائق قراءة
شارك المقال:
"

حتى الألم نعمة من الله

هبة الشعور بالألم

ماذا لو سُلبت منا نعمة البلع، كم يمكن للإنسان أن يعيش بدونها من وقت؟

هذا التساؤل سمعته في مقطع فيديو، ولأول مرة انتبه لهذه النعمة، ماذا لو تصلب البلعوم؟ ماذا لو أصيب بالجفاف؟ ماذا لو غير الطعام مجراه واتجه إلى الرئة؟

مضى وقت وقرأت كتاب هبة الألم، وهو لطبيب يثبت من خلال عمله في الجراحة أن من أكبر نعم الله علينا أن نشعر بالألم، حيث إن فئة من الناس فقدت هذه النعمة، وأصبح وضعهم ومنظرهم مثير للرعب والشفقة.

والف كتابا رائعًا، كإجابة عن سؤال مُربك: هبة الألم، لماذا نُعذَّب، وما موقفنا من ذلك؟

وهو يستفتح كتابه في سرد حالة طبية، دخلت عيادته، لطفلة فقدت هذه النعمة، فهي تطأ المسامير حتى تنفذ إلى العظام، وتقطع أطرافها بالسكين، وهي تضحك.

ويستطرد أنه أثناء عمله في معالجة مرضى الجذام وجد مقدار المعاناة أن تنزع هذه النعمة من الإنسان، وأن تتساقط أطرافه، وأجزاء من جسمه دون شعور.

ويتحدث عن حادثة شخصية وقعت له أثناء عودته من إلى لندن ذات مرة، وكيف أنه خرج من بيت صديقه بين الطقس المتقلب، وأثناء ركوبه القطار كان في وضعية جعلت جسمه مرتكزا على ساقه، ومع شعوره بالخدر، إلا أنه يُمني نفسه بسرعة النزول.

عندما وصل إلى الفندق لم يشعر بألم، فحاول تنشيط قدمه، لعله يشعر بأي ألم، ولكن النتيجة كانت مرعبة، فحاول مرات عدة دون فائدة، واضطر من شدة خوفه أن يسخن إبرة معدنية ويغرسها في اللحم لعل وعسى، ولكن لا جدوى، وكاد يفقد عقله من هول الصدمة، إذ تأكد له أن الإبرة وصلت إلى العظم دون أي شعور بألم ما.

انهار تمامًا، وأغمى عليه من الخوف والرعب، ولما استعاد وعيه، وقد مضت ساعات طويلة، أعاد التجربة، وأشعل النار حتى احمرت الإبرة، وأعاد غرسها في قدمه، ولكن هذا المرة بدأ يشعر بالألم قليلاً، فقفز - حسب تعبيره - إلى أعلى مسافة أمكنه قفزها، مبتهجًا وفرحًا أن أعصابه بدأت تعمل، وأنه لم يفقد هبة ونعمة الإحساس بالألم، حتى وصف أن شعوره بألم الإبرة، وهي تخترق باطن قدمه، كان من أسعد لحظات حياته.

لكن ثمة عدم شعور بالألم من نوع أخر إن وصله المسلم فقد تُودع منه، هي عدم شعوره بالنفور من المعاصي والذنوب، تبلد إحساسه عند رؤيتها، شعوره أنها أمور اعتيادية.

انطماس الحدود الفاصلة بين الحلال والحرام، وإصابة حساسيته الإيمانية بالعطب.

فهو لا ينكر المنكر حتى بقلبه، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان.

اهدنا يا الله

تم التحديث في: ١٩ نوفمبر ٢٠٢٥

مشاركة المقال:
شارك المقال:

مواضيع ذات صلة

مقالات ذات صلة

ثقافة مؤسسية

الأمان في بيئات العمل

الأمان يطلق طاقة العقول، ويحوّل الصراحة إلى معرفة، والمعرفة إلى تفوق مؤسسي مستدام، والبيئة الآمنة تزدهر فيها الثقة، ويتسارع فيها التعلم، ويتعمق فيها الأثر، وكل مؤسسة يرتفع سقفها بقدر ما يرتفع منسوب الأمان فيها، وحين يصبح الأمان ثقافة راسخة، تعمل العقول بكامل نورها، وتتحرك المؤسسات بثبات نحو الريادة.

١١ فبراير ٢٠٢٦
قراءة
أفكار

الشخصية الملهمة

ربما لا مبالغة في القول إن لكل شخص شخصيته الخاصة التي يُلهم أو يعدي بها غيره، والإلهام يكون إلى معالي الأمور، وبناء القدرات، والتشجيع، والعدوى إلى سفاسفها إن أسعفنا التعبير في ذلك.

٢٨ نوفمبر ٢٠٢٥
قراءة
ثقافة مؤسسية

أيهما أولى بالاهتمام مصلحة المستفيد أم رضاه؟

يقوم جوهر العمل الاستشاري على تقديم الحقيقة المبنية على الأدلة، لا ما يرغب المستفيد في سماعه، فمصلحته مقدَّمة على رضاه، وهذا يقتضي حيادًا صارمًا، وقراءة موضوعية للبيانات، وتحررًا من الميل الشخصي، والتحيزات المعرفية، كما تجسّد في نموذج يوسف عليه السلام الذي قدّم خارطة طريق واقعية قاسية لكنها منقِذة، ومن ثم فَإِنَّ الأمانة المهنية تتطلب من المستشار أن يوازن بين التعاطف مع المستفيد، والالتزام بالحقائق التي تحفظ استدامة قراراته ونجاحه المستقبلي.

٢٦ نوفمبر ٢٠٢٥
قراءة